الجصاص
162
أحكام القرآن
الملك للمتصدق عليه . وأيضا فإن العتق واقع في ملك المولى غير منتقل إلى الغير ، ولذلك ثبت ولاؤه منه ، فغير جائز وقوعه عن الصدقة . ولما قامت الحجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الولاء لمن أعتق وجب أن لا يكون الولاء لغيره ، فإذا انتفى أن يكون الولاء إلا لمن أعتق ثبت أن المراد به المكاتبون . وأيضا روى عبد الرحمن ابن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أعان مكاتبا في رقبته أو غازيا في عسرته أو مجاهدا في سبيل الله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " ، فثبت بذلك أن الصدقة على المكاتبين معونة لهم في رقابهم حتى يعتقوا ، وذلك موافق لقوله تعالى : ( وفي الرقاب ) . وروى طلحة اليماني عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال : قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : علمني عملا يدخلني الجنة ! قال : " لئن كنت أقصرت الخطبة لقد عرضت المسألة ، أعتق النسمة وفك الرقبة ! " قال : أو ليسا سواء ؟ قال : " لا ، عتق النسمة أن تفوز بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها والمنحة الركوب والفيء على ذي الرحم الظالم ، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير " ، فجعل عتق النسمة غير فك الرقبة ، فلما قال : ( وفي الرقاب ) كان الأولى أن يكون في معونتها بأن يعطى المكاتب حتى يفك العبد رقبته من الرق . وليس هو ابتياعها وعتقها ، لأن الثمن حينئذ يأخذه البائع ، وليس في ذلك قربة وإنما القربة في أن يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته ، وذلك لا يكون إلا بعد الكتابة لأنه قبلها يحصل للمولى ، وإذا كان مكاتبا فما يأخذه لا يملكه المولى وإنما يحصل للمكاتب فيجزي من الزكاة . وأيضا فإن عتق الرقبة يسقط حق المولى عن رقبته من غير تمليك ولا يحتاج فيه إلى إذن المولى ، فيكون بمنزلة من قضى دين رجل بغير أمره فلا يجزي من زكاته ، وإن دفعه إلى الغارم فقضى به دين نفسه جاز ، كذلك إذا دفعه إلى المكاتب فملكه أجزاه عن الزكاة ، وإذا أعتقه لم يجزه لأنه لم يملكه وحصل العتق بغير قبوله ولا إذنه . قوله تعالى : ( والغارمين ) ، قال أبو بكر : لم يختلفوا أنهم المدينون ، وفي هذا دليل على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له الصدقة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم " . فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم فقير ، إذ كانت الصدقة لا تعطى إلا الفقراء بقضية قوله صلى الله عليه وسلم : " وأردها في فقرائكم " ، وهذا يدل أيضا على أنه إذا كان عليه دين يحيط بماله وله مال كثير أنه لا زكاة عليه ، إذ كان فقيرا يجوز له أخذ الصدقة .